أين الخلل ..في الشعب الفلسطيني .. أم في الأنظمة العربية .. أم في الجيران ..؟
كتبهاابو عويصة ، في 22 شباط 2007 الساعة: 20:47 م
بعد أن أغلق باب الطائرة وبدأت محركاتها تدور خفت حركة أيدي المؤشرين بالسلام لمحبيهم تدريجياً وبعد لحظات من الصمت تفرق جمع المودعين الذين جمعتهم مناسبة الوداع لمحبيهم من حيث أتوا، إلا عمر الذي ظل ممسك بالشبك الذي يفصل بين المودعين وبين مدرج الطيران يتابع تحليق الطائرة في جـو السماء وبعد أن غابت عن ناظريه نظر إلى ساعته فإذا الوقت قد مر سريعاً ولم يبقى الكثير على موعد العمل ، اتجه نحو سيارته وهو يفكر بجواب للسؤال الذي يجول في خاطره منذ أيام وهو يسوف في معرفة الجواب، ولكنه ألآن وجد لسانه ينطق بالسؤال كيف ستدبر أمور معيشتك يا عمر بعد سفر الزوجة مع ألأولاد لزيارة ألأهل في فلسطين المحتلة ، ومن شدة تفكيره بجواب هذا السؤال مد يده بصوره عفوية لفتح نافذة السيارة فوجدها مفتوحة والهواء يندفع منها بشده ومع ذلك كان يشعر كأنه في فرن من شدة الحرارة وكثرة العرق الذي يرشح من جسمه ، وبدأ يشعر بصداع في رأسه وبأنه غير قادر على مواصلة السير أو الذهاب إلى العمل ، فقرر الرجوع إلى البيت وفي طريقه عرج على محطة البنزين للتزود بالوقود وليتصل بمقر عمله ليستأذن منهم بالتغيب عن العمل ولإطفاء لهيب الحرارة في جوفه وغسل وجهه بالماء البارد لعله يستعيد بعضاً من نشاطه ، ورغم أن جوفه لم يعد يتسع لقطرة من الماء إلا أن نفسه تطلب المزيد وكأنها في صحراء قاحلة وجدت عين ماء فجأة تخشى إن فارقتها أن لا تجد غيرها وعند مدخل العمارة التي يسكن فيها جاره يسلم عليه من بعيد ويسرع الخطى على غير عادته حيث كثيراً ما كانا يلتقيان بعد عودتهما من العمل هنا وبعد السلام يتجاذبا أطراف الحديث لدقائق تطول أو تقصر وأحياناً يكملانه بعد أن يهما بالدخول كل إلى شقته خاصة إذا اشتركت زوجتيهما في الحديث ، بينما هو يسلم عليه ألان بطريقة لم يألفها من جاره الذي التمس له العذر عمر فربما سلامه العابر لأنه في عجلة من أمره لأمر هام ، فمنذ اليوم وإلى أن تعود عائلتي من السفر سنلتقي كثيراً ، ولكن تفرق الجارات عند مطلع الدرج بهذه الطريقة الملفتة للنظر جعلته يظن أن غريب أو غرباء من وراءه فاستدار ليرى من هذا الذي تحاشين منه أدباً واحتشاماً ؟ وبعدما أفاق من ذهوله ودهشته حيث لم يكن أحداً غريباً سـواه فسولت له نفسه بأن ينادي وبصوت مسموع على زوجته وأولاده وكأن هناك سبباً ما أجل سفرهما لكي تفتح هـذه ألأبواب التي ما كانت تغلق في وجهه من قبل ؟! أما من ألآن وإلى أن تعود عائلتك من السفر يا عمر فأنت أصبحت غريباً ولم تعـد أبا حسن وكل خطوة ولفته وحركة لك أصبحت مراقبة من خلال هـذه العيون السحرية التي تنظر إليك من خلف ألأبواب المغلقة في وجهك ، وتحامل على نفسه وتابع سيره وصعد الدرج بتثاقل وفكر شارد فقرع باب شقته بدلاً من أن يفتحها بالمفتاح الذي بيده من شدة ارتباكه ودهشته مما رأى من تغير معاملة الجيران له بعد ساعات من سفر زوجته وأولاده ؟! وصحا من شروده على صوت الجرس وصوت باب جاره الذي أغلقته زوجته بعنف بعد أن فتحته ربما لتخبر الطارق بأن لا أحـد في البيت وحينما رأته أغلقت الباب بسرعة وكأنها رأت شيئاً مفزعاً وتركته واقفاً لفترة حائراً ساخراً يتابع تبادل نظرات ألأعين التي تنظر إليه من العين السحرية لباب جاره وهو يتظاهر بالبحث في جيوبه عن المفتاح ، ليرى هل تتكرر دعوات جاره إليه كما كان يفعل بالأمس أم أنـه فقـد اعتباره وحقوق الجيرة منذ لحظة سفر عائلته وأصبح بدون جواز سفر يسمح له بمخالطة الجيران أو محادثتهم ؟! فمنذ اليوم عليه أن يدخل ويخرج خلسة دون سبب أو مبرر ، وبعد أن فتح الباب ودخل الشقة رمى بجسده على أول مقعد في الصالة وهو لا يكاد يصدق ما رأى وهو يتساءل بصوت مسموع ، هل كل هـذه العشرة والجيرة طوال هـذه السنوات كانت سطحية وهشة إلى هذه الدرجة وهل كل هذا الود الذي كان بينهما كان نفاقاً يخفي وراءه كل هذا الجفاء وهو الذي ظن أنه لن يشعر بالوحدة في غياب عائلته بين أولئك الجيران الذين كانوا نعم الجيران لغاية ألأمس ؟ أما اليوم فليس يدري لماذا هم يقطعون حبال الود وحقوق الجيرة معه بلا سبب أو مبرر هكذا فجأة، أليس من المفروض والواجب أن يعاملوه معاملة ألأخ والجار ويغمروه بالمعروف ليزداد نبلاً وأصالة إن كان فيه شيء من النبل والأصالة ؟ أو ليجبروه على أن يكون نبيلاً شريفاً بمعاملتهم الحسنة له أما أن يعاملوه بهذه الطريقة التي تقود الإنسان إلى العزلة و الانطواء والتفكير بأشياء هي للشر أقرب منها للخير ، لأنهم يعلمون سبب عـدم سفر عمر مع عائلته ، فبعد مشقة وجهد حصل والد عمر على تصريح له ولعائلته من ( اليهود ) لزيارة أهله وبلده وهي فرصة لا تعوض ولطالما تمناها وانتظرها بفارغ الصبر ، رغم ما شعر بيه من ألم وضيق حينما وقع نظره على الختم في أعلى تصريح الزيارة الذي تتوسطه نجمة داوود ، وهو تصريح زيارة من غاصب ألأرض لمالكها بعـد أن فشلت كل جيوش ألأمة العربية من المحيط إلى الخليج في تحرير ما أغتصب من فلسطين أو فتح ممر إلى بيت المقدس لكي يؤدي المسلمين شعائر الصلاة فيه ؟!
ورغم ذلك كان فرحه بتصريح الزيارة الذي سيتيح له الصلاة في ذلك المسجد وبأن يرى أهله ومسقط رأسه وتراب وشجر فلسطين لا يوصف فقام بتوزيع الحلوى على جيرانه وزملائه في العمل فرحاً بذلك التصريح ، الذي قلب سعادته في اليوم التالي إلى غم وهم بعدما رفض رئيسه في العمل طلب ألإجازة المقدم منه ، دون سبب أو مبرر ، علماً أن له رصيد إجازات عن مدة ثلاث سنوات مضت ؟ وآخر ما كان يخطر على باله عمر أن يوافق ( اليهود ) على التصريح ( ويرفض العرب طلب ألإجازة ) رغم المحاولات المتكررة لكي يحصل عليها ، إلا أنه هـدد بالفصل من العمل إن هو كرر المحاولة !!
وعند هذا التهديد وجد نفسه عمر وهو الذي ليس له وطن ولا مورد رزق حسب الظروف الحالية إلا من هذا العمل الذي لا يستطيع تركه ( بسبب قوانين الإقامة المعقدة والظالمة ) فسلم أمره إلى الله وبعد مشاورات مع ألأهل والمعارف والجيران ، وافق على سفر زوجته وأولاده الذين ولدوا على أرض هذا البلد ( الكويت ) من الوطن العربي الذي ظنناه كبيراً وحلم الناس بوحدته كثيراً بناءً على وعود الثوار على امتداد ذلك الوطن بزعامة جمال عبد الناصر ، حيث كان يعمل فيه عمر من قبل نكسة عام 1967 م ، التي فرقت بين ألأهل والأحباب ، وكانت موافقته على ذلك السفر بدونه من أجل أن يعرف أبنائه أن ألأرض ليست كلها صحراء ورمال قاحلة جرداء ، بل هناك يوجد جبال وسهول وصخور تنبع منها العيون التي تروي الزرع والشجر وأن هناك هواء صحي نقي ، لايمت بصلة لهذا الهواء المكيف الذي ندفع ثمنه من قوت يومنا ليخفف عنا بعض الحر وشر ( الطوز ) الذي تعودنا علية وارتضيناه حينما فقدنا البديل وأصبحنا رغم كل المضايقات نقبل به خوفاً من نكسة جديدة تذهب بنا إلى الربع الخالي في الجزيرة العربية فجأة كنكسة عام 1967 م ؟ ولأن الفلسطينيون لا يعرفون أين يذهبون وعمر منهم بعد أن اغتصب اليهود أرضهم، وضيـق عليهم أبناء عمومتهم ( العـرب ) الذين هم وراء نكبتهم ونكستهم رغم أن ( ربنا واحد ) وديننا وقبلتنا وأرضنا ولغتنا واحدة ؟! نعم تلك هي الحقيقة ولكن الواقع غير ذلك يا عمر ويا كل الفلسطينيون فأنتم محاصرون ومنبوذون من أنظمة محيطكم العربي بعد أن أصبحتم بلا وطن ، كحصار جيران عمر لـه بعد أن أصبح بــلا زوجـه ، فأين الخلل يا ترى في الشعب الفلسطيني وعمر منهم ، أم في ألأنظمة العربية وقوانينها الجائرة وفي فهـم الجيران لمعاني وحقوق الجيرة ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























